الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

ضغطة ماوس… هل تكون بوابة نجاتك أم سبب نهايتك؟

 المقدمة: لحظة لا تستأذن أحدًا

تخيّل أنك تجلس وحيدًا في غرفتك، الأضواء خافتة، والسكون لا يقطعه إلا أزيز مروحة الحاسوب. يدك على الماوس، وعيناك تتنقّلان بين الروابط.
في تلك اللحظة الصامتة، بين ضغطة وأخرى، بين بحثٍ ونظرة، قد يُكتب سطرٌ عظيم في صحيفة أعمالك.
هل خطر ببالك يومًا أن المسافة بين حسن الخاتمة وسوء الخاتمة قد لا تتجاوز… ضغطة ماوس؟


1. الشاشة… شاهدٌ لك أو عليك

في زمننا الرقمي، لم تعد المعصية تحتاج إلى خروج أو سفر، بل صارت خلف شاشة مغلقة، وفي غرفة موصدة.
قال الله تعالى:

{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]

تلك الضغطة التي تظن أن لا أحد يراها، قد تكون محفوظة في سجلات الدنيا، فكيف بسجل السماء؟
شاشتك إمّا أن تكون طريقًا إلى رضوان الله، أو بابًا من أبواب الغفلة، فاختر لها ما تحب أن تلقى الله به.


2. سيكولوجية “الخلوة الرقمية” ومراقبة الله

لماذا يجرؤ الإنسان خلف الشاشة ما لا يجرؤ عليه أمام الناس؟

  • وهم الخصوصية: تظن أنك وحدك، لكن الملائكة تكتب، والجوارح ستشهد.

  • الاستخفاف بعظمة الرقيب: قال بعض السلف: «لا تجعل الله أهون الناظرين إليك».

  • ضعف استحضار الآخرة: ولو دخل عليك إنسان فجأة، هل كنت ستستمر؟

ويحذّرنا النبي ﷺ من قومٍ يأتون يوم القيامة بحسنات عظيمة، ثم تُذهب هباءً، لأنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.


3. كيف تُروِّض الماوس ليكون وسيلة نجاة؟

ترك المعصية ليس حرمانًا، بل استبدالًا راقيًا. وهذه خطوات عملية:

  • قاعدة الثلاث ثوانٍ: عند ظهور ما لا يرضي الله، أغلق الصفحة فورًا؛ فالتردد بداية السقوط.

  • النافذة البديلة: اجعل دائمًا صفحة قرآن أو ذكر أو علم نافع مفتوحة، لتكون حائط صدّ نفسي.

  • تذكير الفجأة: الموت لا يستأذن، وكم من إنسان غادر الدنيا وهو ممسك بما لا يحب أن يلقى الله به.


الخاتمة: القرار بيدك… حرفيًا

ما دمت تتنفس، فباب التوبة مفتوح، وما دامت يدك على الماوس، فالاختيار لك.
اجعل ضغطة الماوس القادمة استغفارًا، أو علمًا نافعًا، أو إغلاق باب شر.
لا تسمح لجمادٍ صامت أن يقودك إلى خسارة عظيمة، بل اجعله شاهدًا لك يوم القيامة، لا عليك.

الاثنين، 22 ديسمبر 2025

💎 "لكل شيء جلاء.. وجلاء القلوب ذكر الله": كيف تُعيد لقلبك نوره؟


المقدمة: صدأ القلوب.. هل تشعر به؟

كما يصيب الحديد الصدأ إذا غفل عنه صاحبه، وكما يغبرُّ المرآة طول الزمان، فإن القلوب تصدأ أيضًا. صدأ القلوب هو ذلك الشعور بالضيق، القسوة، والبعد عن الله. ولكن، كما وضع الله الداء وضع الدواء؛ فلكل شيء "جلاء" يُزيل كدره، وجلاء القلوب وعلاجها الوحيد هو ذكر الله تعالى.


جلاء القلوب في محكم التنزيل

لقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن التأثير المباشر للذكر على النفس البشرية، فقال عز وجل:

"الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (الرعد: 28). هذه الطمأنينة هي حالة "الجلاء" والصفاء التي تنفي عن القلب كل شوائب القلق والخوف.


 


كيف يكون الذكر "جلاءً"؟

  1. طرد الغفلة: الذكر يوقظ القلب من سباته، ويجعله متصلًا بالخالق، مما يطرد وساوس الشيطان التي هي أصل "صدأ" القلوب.

  2. تفريج الكروب: ذكر الله لا يُزيل الصدأ فقط، بل يفتح الأبواب المغلقة. "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" كانت جلاءً لغمّ يونس عليه السلام في بطن الحوت.

  3. النور في الوجه والقلب: كثرة الذكر تترك أثرًا ملموسًا؛ تبدأ بنور في القلب، ثم تظهر ضياءً في الوجه، وسعة في الرزق.


من هدي السنة النبوية

يقول النبي ﷺ في الحديث الذي يوضح أهمية الذكر:

"مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ" (رواه البخاري). فالقلب الذاكر هو قلب "حيّ" نقي، بينما القلب الغافل هو قلب مات تحت ركام الصدأ والذنوب.


خطوات عملية لجلاء قلبك اليوم:

  • الاستغفار بالأسحار: فهو أقوى "منظف" للذنوب.

  • الباقيات الصالحات: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).

  • تدبر القرآن: فالقرآن هو "الذكر الحكيم" الذي يغسل القلوب بآياته.


الخاتمة: ابدأ الآن

لا تنتظر حتى يتراكم الران على قلبك. ابدأ بجلاء قلبك بـ "سبحان الله وبحمده" مئة مرة، وستشعر أن العالم من حولك أصبح أكثر إشراقاً، وأن الضيق الذي في صدرك قد تبخر.