المقدمة: لحظة لا تستأذن أحدًا
تخيّل أنك تجلس وحيدًا في غرفتك، الأضواء خافتة، والسكون لا يقطعه إلا أزيز مروحة الحاسوب. يدك على الماوس، وعيناك تتنقّلان بين الروابط.
في تلك اللحظة الصامتة، بين ضغطة وأخرى، بين بحثٍ ونظرة، قد يُكتب سطرٌ عظيم في صحيفة أعمالك.
هل خطر ببالك يومًا أن المسافة بين حسن الخاتمة وسوء الخاتمة قد لا تتجاوز… ضغطة ماوس؟
1. الشاشة… شاهدٌ لك أو عليك
في زمننا الرقمي، لم تعد المعصية تحتاج إلى خروج أو سفر، بل صارت خلف شاشة مغلقة، وفي غرفة موصدة.
قال الله تعالى:
{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]
تلك الضغطة التي تظن أن لا أحد يراها، قد تكون محفوظة في سجلات الدنيا، فكيف بسجل السماء؟
شاشتك إمّا أن تكون طريقًا إلى رضوان الله، أو بابًا من أبواب الغفلة، فاختر لها ما تحب أن تلقى الله به.
2. سيكولوجية “الخلوة الرقمية” ومراقبة الله
لماذا يجرؤ الإنسان خلف الشاشة ما لا يجرؤ عليه أمام الناس؟
-
وهم الخصوصية: تظن أنك وحدك، لكن الملائكة تكتب، والجوارح ستشهد.
-
الاستخفاف بعظمة الرقيب: قال بعض السلف: «لا تجعل الله أهون الناظرين إليك».
-
ضعف استحضار الآخرة: ولو دخل عليك إنسان فجأة، هل كنت ستستمر؟
ويحذّرنا النبي ﷺ من قومٍ يأتون يوم القيامة بحسنات عظيمة، ثم تُذهب هباءً، لأنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.
3. كيف تُروِّض الماوس ليكون وسيلة نجاة؟
ترك المعصية ليس حرمانًا، بل استبدالًا راقيًا. وهذه خطوات عملية:
-
قاعدة الثلاث ثوانٍ: عند ظهور ما لا يرضي الله، أغلق الصفحة فورًا؛ فالتردد بداية السقوط.
-
النافذة البديلة: اجعل دائمًا صفحة قرآن أو ذكر أو علم نافع مفتوحة، لتكون حائط صدّ نفسي.
-
تذكير الفجأة: الموت لا يستأذن، وكم من إنسان غادر الدنيا وهو ممسك بما لا يحب أن يلقى الله به.
الخاتمة: القرار بيدك… حرفيًا
ما دمت تتنفس، فباب التوبة مفتوح، وما دامت يدك على الماوس، فالاختيار لك.
اجعل ضغطة الماوس القادمة استغفارًا، أو علمًا نافعًا، أو إغلاق باب شر.
لا تسمح لجمادٍ صامت أن يقودك إلى خسارة عظيمة، بل اجعله شاهدًا لك يوم القيامة، لا عليك.

