الثلاثاء، 27 يناير 2026

السبع الموبقات: ذنوب حذّر منها النبي ﷺ

 جاء الإسلام ليحفظ على الإنسان دينه ونفسه وماله وعِرضه، ولذلك حذّر النبي ﷺ من الذنوب التي تُهلك الإيمان وتُفسد المجتمع، وسماها السبع الموبقات أي المهلكات.

قال رسول الله ﷺ:
«اجتنبوا السبع الموبقات»
قالوا: يا رسول الله وما هن؟
قال:
«الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»

(رواه البخاري ومسلم)




ما معنى السبع الموبقات؟

الموبقات جمع موبقة، وهي الذنوب العظيمة التي تؤدي بصاحبها إلى الهلاك في الدنيا والآخرة إن لم يتب منها. وقد خصّها النبي ﷺ بالتحذير لشدة خطرها وآثارها على الفرد والمجتمع.


السبع الموبقات بإيجاز

1- الشرك بالله

وهو أعظم الذنوب، لأنه صرف العبادة لغير الله، ويشمل كل ما ينافي توحيد الله الخالص.

2- السحر

وهو عمل محرّم يقوم على الإضرار بالناس والاستعانة بالشياطين، ويؤدي إلى فساد العقيدة والعلاقات.

3- قتل النفس التي حرّم الله

الإسلام جعل للنفس الإنسانية حرمة عظيمة، والاعتداء عليها من أكبر الجرائم.

4- أكل الربا

الربا ظلم اقتصادي يخلّ بالعدل ويؤدي إلى تفكك المجتمع وانتشار الفقر.

5- أكل مال اليتيم

استغلال الضعفاء وأكل حقوقهم من أعظم صور الظلم التي توعّد الله عليها بشدة.

6- التولي يوم الزحف

وهو الفرار من القتال عند مواجهة العدو، لما فيه من إضعاف للأمة في أوقات الشدة.

7- قذف المحصنات المؤمنات

اتهام الأبرياء في أعراضهم دون دليل، وهو من أخطر الذنوب لما يسببه من أذى نفسي واجتماعي.


لماذا هذا التحذير مهم اليوم؟

رغم تغيّر الزمان، ما زالت هذه الذنوب موجودة بصور مختلفة، مثل:

  • الشائعات عبر وسائل التواصل

  • المعاملات المالية المحرّمة

  • التهاون في حقوق الضعفاء

ولهذا يبقى هذا الحديث النبوي توجيهًا دائمًا لكل مسلم.


خاتمة

التحذير من السبع الموبقات ليس لتخويف الناس، بل لحمايتهم، وفتح باب التوبة والرجوع إلى الله. فمعرفة هذه الذنوب خطوة أساسية لبناء إيمان صحيح ومجتمع آمن.

والله رحيم بعباده، يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.


🔗 لمن أراد التوسّع

تم نشر التحقيق الكامل وشرح الحديث تفصيليًا هنا في موقع
رسولي محمد.

الأربعاء، 7 يناير 2026

طريق التزكية: كيف نقود النفس إلى الطاعة حتى تستقيم؟

كثيرًا ما نقع في فخّ الانتظار؛
ننتظر أن نشعر بالرغبة في الطاعة حتى نُقبل عليها،
ونؤجّل التوبة حتى يزول تعلّقنا بالمعصية من تلقاء أنفسنا.

لكن القرآن والسنة يقدّمان لنا حقيقة مختلفة تمامًا:
التغيير لا يبدأ من الشعور، بل من الفعل.
اشغل نفسك بالحق، تفرّ المعصية منك دون صراع مباشر.


1. قانون الإحلال: لا فراغ في القلب

القلب وعاء، لا يقبل الفراغ.
إن لم يُملأ بذكر الله وطاعته، امتلأ تلقائيًا بالوساوس والشهوات.

قال ابن القيم رحمه الله:

«ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل».

ولهذا، فإن الطريق إلى السلامة ليس في مطاردة المعصية وحدها،
بل في تزاحم الطاعات حتى لا يبقى للذنب موضع ولا وقت.


2. المجاهدة: حين تُرغِم النفس حتى تستقيم

من الطبيعي أن تجد ثقلًا في البداية؛
فالنفس تميل إلى الراحة، وتأنس بالشهوة،
وفطامها يحتاج صبرًا وحكمة.

يقول أبو يزيد البسطامي رحمه الله:

«ما زلت أقود نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سُقتها وهي تضحك».

هذه العبارة تختصر رحلة التغيير كلها:

  • البكاء: ألم المجاهدة في البدايات

  • الضحك: حلاوة الطاعة التي يقذفها الله في القلب بعد الصبر


3. انشراح الصدر: الجزاء الذي لا ينتظر الآخرة

قال الله تعالى:

{فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ}

بمجرد أن تُجبر نفسك على الخطوة الأولى:

  • سجدة صادقة في جوف الليل

  • ورد قرآن ثابت

  • صدقة خفية لا يعلم بها أحد

ستشعر بانشراح لا تمنحه كل ملذات الدنيا.
هذا الانشراح هو الوقود الإيماني الذي يجعلك تُكمل الطريق وأنت مقبل لا مُثقَل.


4. خطوات عملية لمدونة «قرآن وحديث» في الإيمان

✔ ابدأ بالفرض ثم النافلة

لا تُثقل نفسك. ثبّت الفرائض أولًا، ثم اختر طاعة واحدة تحبها، وعاهد الله عليها.

✔ اختر عبادة قابلة للاستمرار

مثل:

  • الصلاة على النبي ﷺ

  • صلاة الضحى

  • قيام ليل خفيف لكن ثابت

✔ استحضر الأثر

تذكّر دائمًا:

  • المعصية يعقبها ضيق وحسرة

  • والطاعة يعقبها نور في القلب، وسكينة، وسعة في الرزق

✔ الصحبة الصالحة

الطريق إلى الله يُختصر كثيرًا حين تسير فيه مع من يُذكّرك بالله إذا نسيت.


الخلاصة

لا تنتظر أن تحب الطاعة كي تبدأ،
ابدأ… وستحبها.

ولا تنتظر أن تكره المعصية كي تتركها،
اشغل قلبك بما هو أعلى… وستسقط من تلقاء نفسها.

قد نفسك إلى الله وإن كانت النفس متعبة،
فإنك – والله – ستصل وقلبك ضاحك مطمئن.


الجمعة، 2 يناير 2026

📖 الآن قبل فوات الأوان: وقفة محاسبة قبل رحلة الوداع

الحياةُ أنفاسٌ معدودة، وكلُّ نَفَسٍ يخرجُ هو خطوةٌ تقربنا من تلك اللحظة التي لا مفرَّ منها؛ لحظة الوقوف على أعتاب القبر. هناك، حيث ينقطع العمل ويبدأ الحساب، تتجلى الأماني التي نرددها اليوم ولكن بلسان الندم.


1. أمنية العودة للصلاة

يتمنى المرء تحت التراب لو يعود ليصلي ركعتين، لعلمه بقدرهما عند الله.

  • تذكر: قول النبي ﷺ: ركعتانِ خفيفتانَ مما تحقرونَ وتنفلونَ يزيدهُما هذا - يشيرُ إلى قبرٍ - في عملهِ أحبُّ إليهِ من بقيَّةِ دُنياكُم (حديث صحيح).

  • الآن: صلاتك هي نورك في القبر، فلا تُفرط في الفريضة، وزاحم ذنوبك بالنوافل.

2. القرآن: الشفيع المفتقد

تحت الركام، يدرك المرء قيمة كل آية هجرها في الدنيا.

  • تذكر: قوله ﷺ: "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" (رواه مسلم).

  • الآن: لا يكن مصحفك مهجورًا؛ فصفحة واحدة تقرأها بتدبر اليوم، هي أنيسك في وحشة القبر غدًا.

3. الحسرة على فوات الإنفاق

يتمنى العبد لو أنفق ماله كله لله حين يرى عظيم أجر الصدقة.

  • من القرآن: {رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} (سورة المنافقون: 10).

  • الآن: السباقُ في العطاءِ قائم، والصدقةُ تطفئ غضب الرب وتظلل صاحبها يوم القيامة.

4. حفظ الجوارح: الغيبة والحرام

اللسان الذي اغتاب، والعين التي نظرت للحرام، ستكون شاهدةً علينا.

  • من القرآن: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سورة النور: 24).

  • الآن: طهر وقتك من مجالس الغيبة، واحفظ بصرك عما يغضب الله، لتسلم من سؤال القبر وعذابه.

5. الباقيات الصالحات بدل السيئات الجارية

يتمنى المرء لو ترك أثرًا طيبًا يصله ثوابه وهو في مرقده، بدلاً من ذنوبٍ تجري عليه.

  • تذكر: قوله ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (رواه مسلم).

  • الآن: استثمر في عملٍ يبقى أثره بعدك؛ كلمة حق، تعليم آية، أو مساعدة محتاج.


💡 رسالة الختام:

يا أخي، أنت الآن في "دار المهلة"، تملك ما تمناه مَن تحت التراب: "النفس، والقدرة، والزمان". فلا تنتظر حتى تنطفيء السراج ويُغلق الكتاب. أدرك نفسك، وجدد توبتك، وأصلح ما بينك وبين الله.. الآن قبل فوات الأوان.

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

ضغطة ماوس… هل تكون بوابة نجاتك أم سبب نهايتك؟

 المقدمة: لحظة لا تستأذن أحدًا

تخيّل أنك تجلس وحيدًا في غرفتك، الأضواء خافتة، والسكون لا يقطعه إلا أزيز مروحة الحاسوب. يدك على الماوس، وعيناك تتنقّلان بين الروابط.
في تلك اللحظة الصامتة، بين ضغطة وأخرى، بين بحثٍ ونظرة، قد يُكتب سطرٌ عظيم في صحيفة أعمالك.
هل خطر ببالك يومًا أن المسافة بين حسن الخاتمة وسوء الخاتمة قد لا تتجاوز… ضغطة ماوس؟


1. الشاشة… شاهدٌ لك أو عليك

في زمننا الرقمي، لم تعد المعصية تحتاج إلى خروج أو سفر، بل صارت خلف شاشة مغلقة، وفي غرفة موصدة.
قال الله تعالى:

{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]

تلك الضغطة التي تظن أن لا أحد يراها، قد تكون محفوظة في سجلات الدنيا، فكيف بسجل السماء؟
شاشتك إمّا أن تكون طريقًا إلى رضوان الله، أو بابًا من أبواب الغفلة، فاختر لها ما تحب أن تلقى الله به.


2. سيكولوجية “الخلوة الرقمية” ومراقبة الله

لماذا يجرؤ الإنسان خلف الشاشة ما لا يجرؤ عليه أمام الناس؟

  • وهم الخصوصية: تظن أنك وحدك، لكن الملائكة تكتب، والجوارح ستشهد.

  • الاستخفاف بعظمة الرقيب: قال بعض السلف: «لا تجعل الله أهون الناظرين إليك».

  • ضعف استحضار الآخرة: ولو دخل عليك إنسان فجأة، هل كنت ستستمر؟

ويحذّرنا النبي ﷺ من قومٍ يأتون يوم القيامة بحسنات عظيمة، ثم تُذهب هباءً، لأنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.


3. كيف تُروِّض الماوس ليكون وسيلة نجاة؟

ترك المعصية ليس حرمانًا، بل استبدالًا راقيًا. وهذه خطوات عملية:

  • قاعدة الثلاث ثوانٍ: عند ظهور ما لا يرضي الله، أغلق الصفحة فورًا؛ فالتردد بداية السقوط.

  • النافذة البديلة: اجعل دائمًا صفحة قرآن أو ذكر أو علم نافع مفتوحة، لتكون حائط صدّ نفسي.

  • تذكير الفجأة: الموت لا يستأذن، وكم من إنسان غادر الدنيا وهو ممسك بما لا يحب أن يلقى الله به.


الخاتمة: القرار بيدك… حرفيًا

ما دمت تتنفس، فباب التوبة مفتوح، وما دامت يدك على الماوس، فالاختيار لك.
اجعل ضغطة الماوس القادمة استغفارًا، أو علمًا نافعًا، أو إغلاق باب شر.
لا تسمح لجمادٍ صامت أن يقودك إلى خسارة عظيمة، بل اجعله شاهدًا لك يوم القيامة، لا عليك.

الاثنين، 22 ديسمبر 2025

💎 "لكل شيء جلاء.. وجلاء القلوب ذكر الله": كيف تُعيد لقلبك نوره؟


المقدمة: صدأ القلوب.. هل تشعر به؟

كما يصيب الحديد الصدأ إذا غفل عنه صاحبه، وكما يغبرُّ المرآة طول الزمان، فإن القلوب تصدأ أيضًا. صدأ القلوب هو ذلك الشعور بالضيق، القسوة، والبعد عن الله. ولكن، كما وضع الله الداء وضع الدواء؛ فلكل شيء "جلاء" يُزيل كدره، وجلاء القلوب وعلاجها الوحيد هو ذكر الله تعالى.


جلاء القلوب في محكم التنزيل

لقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن التأثير المباشر للذكر على النفس البشرية، فقال عز وجل:

"الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (الرعد: 28). هذه الطمأنينة هي حالة "الجلاء" والصفاء التي تنفي عن القلب كل شوائب القلق والخوف.


 


كيف يكون الذكر "جلاءً"؟

  1. طرد الغفلة: الذكر يوقظ القلب من سباته، ويجعله متصلًا بالخالق، مما يطرد وساوس الشيطان التي هي أصل "صدأ" القلوب.

  2. تفريج الكروب: ذكر الله لا يُزيل الصدأ فقط، بل يفتح الأبواب المغلقة. "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" كانت جلاءً لغمّ يونس عليه السلام في بطن الحوت.

  3. النور في الوجه والقلب: كثرة الذكر تترك أثرًا ملموسًا؛ تبدأ بنور في القلب، ثم تظهر ضياءً في الوجه، وسعة في الرزق.


من هدي السنة النبوية

يقول النبي ﷺ في الحديث الذي يوضح أهمية الذكر:

"مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ" (رواه البخاري). فالقلب الذاكر هو قلب "حيّ" نقي، بينما القلب الغافل هو قلب مات تحت ركام الصدأ والذنوب.


خطوات عملية لجلاء قلبك اليوم:

  • الاستغفار بالأسحار: فهو أقوى "منظف" للذنوب.

  • الباقيات الصالحات: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).

  • تدبر القرآن: فالقرآن هو "الذكر الحكيم" الذي يغسل القلوب بآياته.


الخاتمة: ابدأ الآن

لا تنتظر حتى يتراكم الران على قلبك. ابدأ بجلاء قلبك بـ "سبحان الله وبحمده" مئة مرة، وستشعر أن العالم من حولك أصبح أكثر إشراقاً، وأن الضيق الذي في صدرك قد تبخر.

الخميس، 30 أكتوبر 2025

لا تنسَ أن الله يراك

مقدمة

في زحام الحياة وضجيجها، كثيرًا ما يغفل الإنسان عن حقيقة عظيمة: أن هناك من يراه ويسمعه في كل حين، في خلْوته وجلْوته.

إنه الله سبحانه وتعالى… القريب الذي لا يغيب، واللطيف الذي يعلم خفايا القلوب.

يراك حين تنطفئ الأنوار وتغفو العيون، ويسمع نبضك حين يثقل صدرك بالهموم، ويعلم ما تُخفيه نفسك قبل أن تنطق به شفتاك.

فطوبى لمن عاش وهو يستشعر نظر الله إليه، فلا ينجرف إلى المعاصي والشهوات بل يمنع نفسه خوفا من الله وحبا فيه.



حين تخلو بنفسك

قد تظن أن لا أحد يراك حين تغلق باب غرفتك، أو حين تمسك هاتفك، أو حين تمر بلحظة ضعفٍ خفيّة…

لكن الله تعالى يقول:

"يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ"

(سورة غافر: 19)

تأمل هذه الآية… الله يعلم حتى نظرة العين الخائنة التي لا يراها أحد، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟

المراقبة طريق الطمأنينة

حين يستشعر القلب مراقبة الله له، لا يعيش في خوف، بل في طمأنينة.

فهو لا يخاف من الناس، بل يرجو رضا ربه.

قال رسول الله ﷺ:

"اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن."

(رواه الترمذي)

إنها وصية تجمع الدين كله: مراقبة الله، وإصلاح النفس، وحسن الخلق.

المؤمن الحقيقي

المؤمن ليس ذاك الذي يُحسن فقط أمام الناس، بل هو من يحسن في الخفاء كما يُحسن في العلن.

هو من يترك الذنب لا خوفًا من نظرات البشر، بل حياءً من الله الذي يراه.

ولهذا قال أحد الصالحين:

"اجعل الله أحبَّ من تراه في خلواتك، وأعظم من تخشاه في سرّك."

وقفة صادقة مع النفس

في كل يوم، خذ لحظة وقل لنفسك:

هل لو نظر الله إليّ الآن، يرضى عني؟

هذه اللحظة الصغيرة من الصدق قد تغيّر حياتك كلها.

فما أروع أن يعيش الإنسان بقلبٍ يهمس لنفسه دائمًا:

"اللهم اجعلني حيث تحب أن تراني."

الخلاصة

الموعظة ليست كلمات تُقال، بل شعور يُزرع في القلب:

أن الله معك، يراك، يسمعك، ويريد لك الخير.

فاحفظه في قلبك، يحفظك في دنياك وآخرتك.


الخميس، 16 أكتوبر 2025

نعمة الصحة والعافية في ضوء القرآن والسنة

مقدمة

من أعظم النِّعَم التي يغفل عنها كثير من الناس نعمة الصحة والعافية.

فهي تاجٌ على رؤوس الأصحّاء لا يراه إلا المرضى، ومن فقدها أدرك حينها كم كان في عافية وهو لا يشعر.

إنها النعمة التي لا تُشترى بمال، ولا يُعوَّض فقدها بكنوز الأرض، وقد أولى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هذه النعمة منزلة عظيمة ودعوة دائمة إلى شكرها وحفظها.



 أولاً: الصحة في ضوء القرآن الكريم

جاء في كتاب الله آياتٌ كثيرة تُذكّر الإنسان بفضل العافية وضرورة شكر الله عليها، ومن ذلك قوله تعالى:

"وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" (الشعراء: 80)

هذه الآية تُظهر أن الشفاء بيد الله وحده، وأن الصحة هبة ربانية لا يملكها سواه.

ويقول سبحانه أيضًا:

"وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (النحل: 78)

فالآية تذكّرنا أن ما نملكه من حواس وعافية إنما هو فضل من الله يستوجب الحمد والشكر.

ومن مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ النفس، وهو أحد الضروريات الخمس التي جاءت بها الشريعة، تأكيدًا على قيمة الإنسان وصحته الجسدية والنفسية.


ثانيًا: الصحة في ضوء السنة النبوية

قال النبي ﷺ:

"نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ"

(رواه البخاري)

أي أن كثيرًا من الناس لا يقدّرون هاتين النعمتين إلا بعد فوات الأوان.

وفي حديث آخر قال ﷺ:

"من أصبح منكم آمناً في سِرْبِه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا"

(رواه الترمذي)

فالعافية من أعظم ما يُنعم الله به على عبده، ومن اجتمعت له العافية والأمن والرزق فقد نال سعادة الدنيا.


ثالثًا: الإسلام يحث على الوقاية قبل العلاج

ديننا الحنيف ليس دين دعاء فقط، بل دعاء وعمل.

قال ﷺ:

"تَدَاوَوْا عبادَ اللهِ، فإنَّ اللهَ لم يضعْ داءً إلا وضع له دواء"

(رواه الترمذي)

وهذا الحديث يؤكد أن الإسلام يدعو إلى التداوي، والبحث عن العلاج، والحفاظ على الجسد من أسباب الهلاك.

بل إن الوضوء، والنظافة، والاعتدال في الطعام، والرياضة، كلها مظاهر وقائية دعا إليها الإسلام للحفاظ على الجسد والعقل.

 رابعًا: شكر نعمة الصحة والعافية

شكر العافية لا يكون بالكلام فقط، بل بالعمل والطاعة، قال تعالى:

"اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا" (سبأ: 13)

وشكر الصحة يكون:

  • باستخدامها في طاعة الله.
  • والبعد عن المعاصي التي تفسد القلب والجسد.
  • ومساعدة المرضى ورعايتهم.
  • والدعاء بالعافية للنفس وللناس.

خامسًا: من روائع الدعاء في طلب العافية

كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء بالعافية، ومن ذلك قوله:

"اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة"

(رواه الترمذي)

وكان ﷺ يقول في دعائه اليومي:

"اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت."

وهذا يبين أن العافية ليست فقط في الجسد، بل في السمع والبصر والقلب والدين.

 سادسًا: كيف نحافظ على نعمة العافية؟

  • الاعتدال في الطعام والشراب قال تعالى:"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا" (الأعراف: 31).
  • الرياضة والحركة المنتظمة.
  • النوم الكافي والراحة النفسية.
  • البعد عن التدخين والمخدرات وكل ما يضر الجسد.
  • الصبر عند المرض والرضا بالقضاء، فهو من أعظم أسباب الشفاء الروحي.

خاتمة

الصحة والعافية نعمة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس حتى تُسلب منهم.

فحافظ عليها بشكر الله وطاعته، وكن عبدًا شاكرًا لا كافرًا بالنعمة.

وإذا ابتُليت بمرض، فاعلم أن الله أراد بك خيرًا، وأن في الصبر على البلاء رفعة للدرجات وتكفيرًا للسيئات.

"وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" — آية تختصر كل الأمل والإيمان بأن الشفاء والعافية بيد الله وحده.


الاثنين، 6 أكتوبر 2025

تأملات في الآية: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ"

 في زحمة الحياة وضغوطها، قد يغفل الإنسان عن تأمل بسيط لكنه عميق:

ما سر دوام النعم؟ ولماذا تختفي أحيانًا فجأة؟

يأتي الجواب الرباني واضحًا وجازمًا في آية من أعظم آيات القرآن:

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾

(سورة إبراهيم: 7)

📖 تفسير مختصر للآية:

﴿تَأَذَّنَ﴾: أي أعلن وأقسم ربكم.

﴿شَكَرْتُمْ﴾: اعترفتم بالنعم، وأثنيتم على الله بها، واستخدمتموها في طاعته.

﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾: وعد رباني بالزيادة، سواء في المال، الصحة، الراحة، التوفيق، أو البركة.


🌿 التأمل الأول: الشكر عبادة قلب ولسان وجوارح

الشكر ليس فقط قول "الحمد لله"، بل هو موقف كامل:

  • بالقلب: الاعتراف بأن النعمة من الله وحده.
  • باللسان: الثناء والحمد.
  • بالعمل: استخدام النعمة في الطاعة، لا في المعصية.

قال الله تعالى:

﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (سبأ: 13)

فربط الشكر بالعمل، لا بالكلام فقط.

🌟 التأمل الثاني: الشكر سبب مباشر لزيادة النعمة

كثيرًا ما نبحث عن أسباب زيادة الرزق أو بركة الوقت،

والآية تخبرنا بأوضح صورة: الشكر = زيادة.

سواء:

مالك قليل؟ احمد الله.

صحتك تتحسن؟ اشكر الله.

وقتك مبارك رغم انشغالك؟ هذا من الشكر.

🕯 التأمل الثالث: الشكر يرفع البلاء ويجلب الرضا

النبي ﷺ كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه،

فلما سُئل عن ذلك، قال:

"أفلا أكون عبدًا شكورًا؟" (رواه البخاري ومسلم)

فالعبودية الكاملة تبدأ بالشكر، لا بالاستهلاك المستمر للنعم دون تفكر.

📜 من أقوال السلف عن الشكر:

الحسن البصري: "إن الله ينعِم على الناس، فإذا لم يشكروه، قلبها عذابًا".

عمر بن عبد العزيز: "قيّدوا النعم بالشكر".

💡 كيف أكون من الشاكرين؟ (خطوات عملية)

  • توقف كل يوم لحظة وتأمل في نعمة واحدة لديك.
  • قل "الحمد لله" بيقين… لا عادة.
  • استخدم نعمك في نفع الناس وطاعة الله.
  • لا تقارن ما عندك بما عند غيرك، بل انظر لمن هو أقل.

 خاتمة:

الشكر مفتاحٌ ذهبي لكل أبواب الخير.

من أراد بركةً دائمة، وسعادة مستمرة، فلْيبدأ بالشكر.

فالله وعد، والله لا يُخلف وعده:

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

فهل نكون من الشاكرين حقًا؟ 💛


الاثنين، 29 سبتمبر 2025

"وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا": تأملات في بحر النعم الإلهية

مقدمة

يذكّرنا القرآن الكريم دائمًا بفضل الله تعالى وواسع عطائه، ومن أبرز الآيات التي تجسد هذا المعنى قوله تعالى:
{وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
آية قصيرة في ألفاظها، لكنها عظيمة في معانيها؛ فهي تفتح أمام الإنسان أبواب التأمل في عظمة المنعم سبحانه، وتدعوه إلى شكر النعمة، والتواضع أمام خالقه.


معنى الآية الكريمة

المقصود بـ"نعمة الله": كل ما أنعم الله به على عباده من نعم الدين والدنيا.

"لا تحصوها": أي مهما حاولتم إحصاءها وحصرها فلن تقدروا؛ لأنها لا تُعد ولا تُحد.

ختم الآية بـ"إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ": تذكير أن الله يغفر تقصيرنا في شكر نعمه، ويرحم ضعفنا.

 أنواع نعم الله على الإنسان

نِعَم ظاهرة

مثل: الصحة، الرزق، الأولاد، المأكل والمشرب، الأمن، العلم، السكن.

نِعَم باطنة

مثل: نعمة الإيمان، الطمأنينة، السكينة، التوفيق لفعل الخير، ستر الذنوب، الهداية.

نِعَم متجددة

مثل: تنفسك كل يوم، نبض قلبك، تجدد خلايا جسدك، شروق الشمس، نزول المطر.

دروس مستفادة من الآية

الاعتراف بالعجز البشري: الإنسان مهما بلغ من العلم والحساب لا يستطيع إحصاء نعم الله.
ضرورة شكر النعمة: الشكر يزيد النعم، كما قال تعالى: "لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ".
التواضع أمام الخالق: هذه النعم ليست بقدرتنا، بل محض فضل من الله.
التفاؤل والرضا: إدراك كثرة النعم يعين المسلم على الصبر في المصائب، إذ يرى أن ما لديه أعظم بكثير مما فقده.

كيف نشكر نعم الله عمليًا؟

بالقلب: أن يستحضر العبد فضل الله ويعترف به.
باللسان: كثرة الحمد والثناء، والدعاء مثل "الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة".
بالعمل: استعمال النعمة فيما يرضي الله، كاستخدام المال في الصدقة، والصحة في الطاعة، والعلم في النفع.

أمثلة من حياة النبي ﷺ في شكر النعمة

  • كان ﷺ يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فلما سُئل: "لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟" قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟".
  • كان يحمد الله في كل حال، حتى عند تناول الطعام أو شرب الماء أو لبس الثوب.

خاتمة

آية "وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا" تضعنا أمام حقيقة ثابتة: أننا غارقون في بحر من نعم الله التي لا تنتهي. فليكن لساننا رطبًا بالشكر، وقلوبنا عامرة بالاعتراف بفضل الله، وأعمالنا شاهدة على استعمال النعم في طاعته.


الجمعة، 26 سبتمبر 2025

فلما استحكمت حلقاتها فرجت

مقدمة

تمر بالإنسان في حياته لحظات ضيق وشدة، يظن معها أن أبواب الفرج قد أُغلقت، وأن لا مخرج من البلاء. لكن المؤمن يتذكر دائمًا أن الشدة لا تدوم، وأن مع العسر يسرا، كما وعد الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا • إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5-6). وقد عبّر العرب عن هذه الحقيقة بقولهم: «فلما استحكمت حلقاتها فرجت»، أي إذا اشتد الكرب وبلغ غايته، جاء الفرج من عند الله.


المعنى العام للعبارة

تصوّر العبارة الشدة كأنها سلسلة حلقات متشابكة، تزداد إحكامًا وتعقيدًا حتى يُخيَّل للمرء أنه لا فكاك منها. لكن ما إن يبلغ الضيق غايته، إلا ويفك الله عقدتها ويفتح بابًا للنجاة. فهي دعوة للتفاؤل وعدم اليأس مهما تعقدت الأمور.

شواهد من القرآن والسنة

في القرآن: قصة يوسف عليه السلام، إذ اشتد به البلاء حتى بيع عبدًا وسُجن ظلمًا، ثم جاء الفرج وأصبح عزيز مصر.

في السنة: قال النبي ﷺ: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» (رواه أحمد).


دروس مستفادة

الثقة بالله: مهما ضاقت الحال، فباب السماء مفتوح لمن لجأ إلى الله.

الصبر مفتاح الفرج: الصبر على البلاء يقود إلى مخرج كريم.

اليأس ممنوع: فاليأس ينافي التوكل على الله، والمؤمن لا يقنط من رحمة ربه.

الفرج قد يكون قريبًا: أحيانًا يأتي الحل فجأة من حيث لا يحتسب المرء.


أمثلة واقعية

كم من مريض ظن أنه لا شفاء له، فإذا بالدواء يُكتشف ويعود صحيحًا.

وكم من إنسان ضاقت به المعيشة، فإذا برزق الله يأتيه من طريق لم يتوقعه.

وكم من أمة مرت بظروف عصيبة، ثم تبدلت الحال إلى عز ونصر.


خاتمة

إن قولهم: «فلما استحكمت حلقاتها فرجت» يذكّرنا بأن الضيق مهما اشتد فهو إلى زوال، وأن فرج الله أقرب مما نتخيل. فلنثبت على الصبر والدعاء، ولنتفاءل بوعد الله، فما بعد الشدة إلا الفرج، وما بعد العسر إلا اليسر.

الخميس، 21 أغسطس 2025

دستور الرحمة: كيف جعل الله دينه يُسراً لا مشقة فيه؟

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾


مقدمة: الملاذ الآمن للقلوب المتعبة

في لحظات الشعور بالتقصير أو ثقل المسؤوليات، تأتي خاتمة سورة البقرة كبلسم يداوي الروح. هي الآية التي رسمت حدود التكليف الإلهي وفتحت أبواب الرجاء والمغفرة. إنها رسالة الله لكل إنسان: "لستَ وحيداً، ورحمتي تسبق عدلي". فما هي الكنوز المودعة في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}؟


أولاً: قاعدة "الوسع" واليسر الإلهي

يبدأ النص القرآني بإرساء قاعدة ذهبية: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

  • المعنى: دين الله يسر لا مشقة فيه؛ فالله سبحانه لا يطلب من عباده ما يفوق قدرتهم أو يرهق طاقتهم.

  • العدل الإلهي: كل إنسان مسؤول عن عمله؛ فمن فعل خيراً نال ثوابه، ومن سلك طريق الشر نال جزاءه، وهذا تمام العدل والمساواة.

ثانياً: أدعية التيسير الخمسة (مفاتيح النجاة)

اشتملت الآية على تضرعات عظيمة، علمنا الله إياها لنواجه بها ضعفنا البشري:

  1. طلب العفو عند الخطأ والنسيان: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. نحن بشر ننسى ونخطئ، والله برحمته تجاوز لنا عن ذلك.

  2. الأمان من التكاليف الشاقة: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}. سؤال الله ألا يكلفنا ما كلف به الأمم السابقة من عقوبات وتكاليف شاقة بسبب عصيانهم.

  3. الحماية من المصائب فوق الطاقة: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. دعاء بأن يجنبنا الله المصائب والابتلاءات التي تنوء بها الجبال ولا تحتملها النفوس.

  4. المثلث الذهبي (العفو، المغفرة، الرحمة): {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا}. محو الذنوب، ستر العيوب، والإحسان الشامل لنا في الدنيا والآخرة.

  5. الولاية والنصر: {أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا}. اعتراف بأن الله هو مالك أمرنا ومدبر شأننا، وطلب النصر على كل من جحد وأنكر.


ثالثاً: لماذا يجب أن تحفظ وتتدبر هذه الآية؟

أخبرنا النبي ﷺ أن من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة "كفتاه"؛ أي كفتاه من كل سوء، ومن شرور الشياطين، ومن هموم الدنيا.

  • إنها آية تبني في داخلك "توازناً نفسياً"؛ فهي تعلمك المسؤولية (بأن تعمل) وتعلمك الطمأنينة (بأن الله رحيم بضعفك).

رابعاً: كيف تطبق معاني هذه الآية في حياتك؟

  • لا تحمّل نفسك ما لا تطيق: إذا كان الله لا يكلفك فوق طاقتك، فلا ترهق أنت نفسك بالهموم والمثالية الزائدة.

  • استبشر بالتوبة: الخطأ والنسيان وارد، وباب التجاوز مفتوح دائماً.

  • ثق بولاية الله: عندما تقول "أنت مولانا"، فأنت تضع كل مخاوفك في حماية الملك الجبار.


خاتمة:

إن آية سورة البقرة الأخيرة هي "خارطة طريق" لكل مسلم يبحث عن السكينة. فاجعلها وردك في كل ليلة، وتدبر معاني اليسر والرحمة فيها، لتعيش آمناً بفضل الله، متوكلاً على تدبيره، واثقاً في نصره.




السبت، 9 أغسطس 2025

الشباب المسلم بين العلم والعمل: طريق النهضة والتمكين

مقدمة

في زمن تتسارع فيه التحديات وتتغير فيه ملامح الحياة بسرعة، يظل الشباب المسلم حجر الأساس في نهضة الأمة وعماد مستقبلها. ولا يمكن أن تتحقق النهضة إلا إذا اجتمع في الشباب العلم النافع والعمل الجاد، إذ لا قيمة للعلم بلا عمل، ولا للعمل بلا علم يرشد خطاه.



أولاً: مكانة العلم في الإسلام

العلم هو النور الذي يهدي العقول، وقد رفع الله مكانة العلماء وفضّلهم على الجاهلين، فقال سبحانه:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]


كما كانت أول آية نزلت على قلب النبي ﷺ تحث على القراءة والتعلم:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]


وقال رسول الله ﷺ:

"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة" (رواه مسلم)


ثانيًا: قيمة العمل في حياة المسلم

العمل في الإسلام عبادة إذا صلحت النية، وهو دليل على قوة الإيمان وعمارة الأرض. قال الله تعالى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]


وقال النبي ﷺ:

"ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" (رواه البخاري)


ثالثًا: الدمج بين العلم والعمل

الشباب المسلم اليوم مدعو إلى الجمع بين التعلم المستمر واكتساب المهارات، وبين تطبيق ما تعلمه في ميادين العمل والإبداع. فالعلم بلا تطبيق يظل حبرًا على ورق، والعمل بلا علم قد يفتقر إلى الإتقان والتوجيه.


رابعًا: نماذج مضيئة

الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه، تعلم العبرية في وقت قصير لخدمة الإسلام.


عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، جمع بين العلم الغزير والنصيحة والعمل الدعوي.


خاتمة

أيها الشباب، أنتم أمل الأمة ومستقبلها، فاجعلوا حياتكم رحلة متواصلة من التعلم والعمل، وكونوا قدوة في الجد والإبداع، ولا تنسوا أن كل خطوة في طريق العلم والعمل هي عبادة تقربكم إلى الله وتبني مجد أمتكم.




الاثنين، 28 يوليو 2025

نداء الرحيل: كيف توقظ قلبك قبل فوات الأجل؟



مقدمة: ضيفٌ على سفر

تخيل أنك تسير تحت ظل شجرة في يوم شديد الحرارة، هل ستقرر البناء تحت هذا الظل؟ بالطبع لا، لأنك تعلم أنه "ظل زائل". هكذا وصف العارفون الدنيا؛ ضيفٌ راحل، وأنفاس معدودة، وكل نَفَس يخرج منك الآن هو جزء من عمرك لن يعود أبداً. فهل سألت نفسك: ماذا أعددت للرحيل؟


أولاً: حقيقة الليالي والأيام

نحن نعيش في خدعة الزمن؛ فالليالي التي تمر علينا بهدوء هي في الحقيقة "تهدم الأعمار"، والأيام التي تشرق شمسها هي "تسرق الأجسام" وتأخذنا نحو الضعف ثم النهاية.

  • الوعي بالزمن: إن ساعة يقظة واحدة تراجع فيها حساباتك مع الله، خيرٌ من دهرٍ تعيشه في سبات الغفلة. فالغفلة هي الأرض التي لا تزرع إلا الندم.

ثانياً: عمارة القلب وطيب السر

الجمال الحقيقي ليس في عمارة البيوت، بل في عمارة القلب بذكر الله.

  • طيب السر: هو أن يكون باطنك كظاهرك، مملوءاً بخوف الله ومحبته.

  • الاستقامة والإخلاص: القاعدة الذهبية تقول: "ما ندمت نفسٌ استقامت، ولا خاب قلبٌ أخلص". فمن استقام على الطاعة وجد حلاوتها في قلبه قبل موته.


ثالثاً: الزاد والرفيق في رحلة السفر الأطول

السفر إلى الآخرة سفرٌ طويل، وطرقه موحشة لمن لم يتزود:

  1. قِلة الرفيق: في ذلك السفر لن يصحبك مال ولا ولد، بل عملك الصالح فقط.

  2. ثقل الحمل: العمل السيء حملٌ ثقيل يرهق صاحبه، فخفف أحمالك بالتوبة.

  3. الاستكثار من الزاد: الصدقة، الكلمة الطيبة، والذكر الخفي؛ هي الزاد الذي يضيء لك وحشة الطريق.


رابعاً: البدار البدار قبل انقطاع العمل

لا تقل "غداً سأتوب" أو "غداً سأبدأ"، فالبدار (المسارعة) هي نجاة الحكماء. احذر أن تفاجئك اللحظة التي يُقال فيها:

  • انقضى الأجل: فلا زيادة في العمر.

  • انقطع العمل: فلا مجال لتصحيح الخطأ.

  • حيل بينك وبين ما تشتهي: فلا عودة للدنيا لتسجد سجدة واحدة.


خاتمة:

يا ابن آدم، أنت مجموع أيام، فكلما ذهب يوم ذهب بعضك. فاجعل أنفاسك الباقية في طاعة، وعمّر قلبك باليقين، واستعد للقاء الله بقلب سليم. إن الله يفتح باب التوبة في كل لحظة، فكن من أهل اليقظة قبل أن يغلق الباب.