قد يحزن الإنسان عندما تُغلق في وجهه الأبواب، أو تتأخر أمنية طال انتظارها، لكنه لا يعلم أن الله سبحانه يدبر له من الخير ما لا تدركه عيناه ولا يحيط به عقله. فالمؤمن يوقن أن تدبير الله خير من تدبيره لنفسه، وأن ما اختاره الله له هو الخير، وإن بدا له في البداية غير ذلك.
قال الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 216]
هذه الآية تعد من أعظم الآيات التي تبعث الطمأنينة في قلب المؤمن، فهي تؤكد أن علم الله محيط بكل شيء، بينما يظل علم الإنسان محدودًا.
أولًا: عندما يُغلق الله بابًا ويفتح لك بابًا أفضل
كم من إنسان حزن على وظيفة لم يحصل عليها، ثم وجد بعد أشهر ما هو خير منها.
وكم من فتاة تأخر زواجها، ثم رزقها الله زوجًا صالحًا كانت تحمد الله عليه طوال عمرها.
وكم من مريض ظن أن البلاء نهاية الطريق، فإذا به يكون سببًا في قربه من الله ورفعة درجاته.
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
[الطلاق: 2-3]
فقد يأتي الخير من طريق لم يخطر لك على بال.
ثانيًا: من علامات أن الله يدبر لك الخير
1- صرف ما كنت تتمناه عنك
ليس كل منع حرمانًا.
بل قد يكون المنع حماية ورحمة.
قال تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾
[البقرة: 216]
ربما كنت ترى أن هذا الأمر هو سعادتك، بينما يعلم الله أن فيه هلاكك.
2- أن يرزقك الله الصبر عند البلاء
إذا نزلت بك مصيبة، ووجدت قلبك ثابتًا، ولسانك راضيًا، فهذه نعمة عظيمة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[البقرة: 153]
وجود السكينة وسط الشدة من أعظم صور عناية الله بعبده.
3- أن يفتح الله لك باب الطاعة بعد الضيق
كم من إنسان كانت المحنة سببًا في محافظته على الصلاة، أو قيام الليل، أو كثرة الدعاء والاستغفار.
ولو لم تقع الشدة، لما عرف طريق العودة إلى الله.
قال تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[الذاريات: 50]
4- أن تجد قلبك متعلقًا بالله وحده
إذا انكسرت الأسباب كلها، وبقي قلبك متعلقًا بالله، فقد وصلت إلى أعظم أبواب الخير.
قال تعالى:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[المائدة: 23]
5- أن يتأخر عنك ما تريد
كثير من الناس يظن أن تأخر الإجابة دليل على عدم قبول الدعاء.
وهذا غير صحيح.
فقد يؤخر الله العطاء حتى يحين الوقت الأنسب، أو ليعطيك خيرًا مما طلبت.
قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾
[القصص: 68]
ماذا قالت السنة عن تدبير الله للخير؟
الحديث الأول
قال رسول الله ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له.»
درجة الحديث: صحيح.
التخريج: رواه مسلم (2999).
الفائدة:
هذا الحديث أصل عظيم في الرضا بقضاء الله، ويبين أن المؤمن رابح في جميع أحواله؛ فالشكر في النعمة خير، والصبر على البلاء خير.
الحديث الثاني
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
«واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا.»
درجة الحديث: حديث حسن صحيح، وقد حسنه الترمذي، وصححه عدد من أهل العلم، ووردت هذه الزيادة في رواية الإمام أحمد.
الفائدة:
لا يأتي الفرج الحقيقي إلا بعد الصبر، وكل شدة يعقبها يسر بإذن الله.
احذر من عبارة منتشرة لا دليل عليها
ينتشر بين الناس قولهم:
"إذا أحب الله عبدًا ضيق عليه."
بهذا اللفظ لا يصح حديثًا عن النبي ﷺ، فلا ينبغي نسبته إليه.
والصحيح أن المسلم يستدل بالنصوص الثابتة، مثل قوله ﷺ:
«إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم...»
درجة الحديث: حسن.
رواه الترمذي وحسنه الألباني.
فالابتلاء قد يكون علامة محبة إذا صاحبه الصبر والرضا، لكنه ليس حكمًا عامًا على كل بلاء.
كيف تستقبل تدبير الله؟
أكثر من الدعاء.
الزم الاستغفار.
لا تقارن حياتك بحياة الآخرين.
أحسن الظن بالله.
خذ بالأسباب ثم توكل على الله.
لا تيأس إذا تأخر الفرج.
قال تعالى:
﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾
[يوسف: 87]
خاتمة
قد لا ترى الخير اليوم، لكن الأيام ستكشف لك أن الله كان يدبر لك ما هو أفضل مما كنت تتمناه. وربما كان الباب الذي أغلقه الله في وجهك هو سبب نجاتك، وربما كان التأخير الذي أحزنك هو عين الرحمة.
فاجعل قلبك مطمئنًا، وأكثر من قول:
"اللهم اختر لي ولا تخيرني، ودبر لي فإني لا أحسن التدبير."
واعلم أن المؤمن لا يخسر مع الله أبدًا؛ فإن أعطاه شكر، وإن منعه رضي، وإن ابتلاه صبر، وفي كل ذلك خير.











