مقدمة
من أعظم النِّعَم التي يغفل عنها كثير من الناس نعمة الصحة والعافية.
فهي تاجٌ على رؤوس الأصحّاء لا يراه إلا المرضى، ومن فقدها أدرك حينها كم كان في عافية وهو لا يشعر.
إنها النعمة التي لا تُشترى بمال، ولا يُعوَّض فقدها بكنوز الأرض، وقد أولى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هذه النعمة منزلة عظيمة ودعوة دائمة إلى شكرها وحفظها.
أولاً: الصحة في ضوء القرآن الكريم
جاء في كتاب الله آياتٌ كثيرة تُذكّر الإنسان بفضل العافية وضرورة شكر الله عليها، ومن ذلك قوله تعالى:
"وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" (الشعراء: 80)
هذه الآية تُظهر أن الشفاء بيد الله وحده، وأن الصحة هبة ربانية لا يملكها سواه.
ويقول سبحانه أيضًا:
"وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (النحل: 78)
فالآية تذكّرنا أن ما نملكه من حواس وعافية إنما هو فضل من الله يستوجب الحمد والشكر.
ومن مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ النفس، وهو أحد الضروريات الخمس التي جاءت بها الشريعة، تأكيدًا على قيمة الإنسان وصحته الجسدية والنفسية.
ثانيًا: الصحة في ضوء السنة النبوية
قال النبي ﷺ:
"نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ"
(رواه البخاري)
أي أن كثيرًا من الناس لا يقدّرون هاتين النعمتين إلا بعد فوات الأوان.
وفي حديث آخر قال ﷺ:
"من أصبح منكم آمناً في سِرْبِه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا"
(رواه الترمذي)
فالعافية من أعظم ما يُنعم الله به على عبده، ومن اجتمعت له العافية والأمن والرزق فقد نال سعادة الدنيا.
ثالثًا: الإسلام يحث على الوقاية قبل العلاج
ديننا الحنيف ليس دين دعاء فقط، بل دعاء وعمل.
قال ﷺ:
"تَدَاوَوْا عبادَ اللهِ، فإنَّ اللهَ لم يضعْ داءً إلا وضع له دواء"
(رواه الترمذي)
وهذا الحديث يؤكد أن الإسلام يدعو إلى التداوي، والبحث عن العلاج، والحفاظ على الجسد من أسباب الهلاك.
بل إن الوضوء، والنظافة، والاعتدال في الطعام، والرياضة، كلها مظاهر وقائية دعا إليها الإسلام للحفاظ على الجسد والعقل.
رابعًا: شكر نعمة الصحة والعافية
شكر العافية لا يكون بالكلام فقط، بل بالعمل والطاعة، قال تعالى:
"اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا" (سبأ: 13)
وشكر الصحة يكون:
- باستخدامها في طاعة الله.
- والبعد عن المعاصي التي تفسد القلب والجسد.
- ومساعدة المرضى ورعايتهم.
- والدعاء بالعافية للنفس وللناس.
خامسًا: من روائع الدعاء في طلب العافية
كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء بالعافية، ومن ذلك قوله:
"اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة"
(رواه الترمذي)
وكان ﷺ يقول في دعائه اليومي:
"اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت."
وهذا يبين أن العافية ليست فقط في الجسد، بل في السمع والبصر والقلب والدين.
سادسًا: كيف نحافظ على نعمة العافية؟
- الاعتدال في الطعام والشراب قال تعالى:"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا" (الأعراف: 31).
- الرياضة والحركة المنتظمة.
- النوم الكافي والراحة النفسية.
- البعد عن التدخين والمخدرات وكل ما يضر الجسد.
- الصبر عند المرض والرضا بالقضاء، فهو من أعظم أسباب الشفاء الروحي.
خاتمة
الصحة والعافية نعمة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس حتى تُسلب منهم.
فحافظ عليها بشكر الله وطاعته، وكن عبدًا شاكرًا لا كافرًا بالنعمة.
وإذا ابتُليت بمرض، فاعلم أن الله أراد بك خيرًا، وأن في الصبر على البلاء رفعة للدرجات وتكفيرًا للسيئات.
"وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" — آية تختصر كل الأمل والإيمان بأن الشفاء والعافية بيد الله وحده.