مقدمة:
مع اقتراب مواسم الطاعات، تتطلع قلوب المؤمنين إلى فرصة لتنقية الصحائف وبدء صفحة جديدة مع الله عز وجل. وقد اختصر لنا النبي ﷺ الطريق إلى هذا الفوز العظيم في حديث واحد يجمع بين صيام النهار وقيام ليلة هي خير من ألف شهر.
نص الحديث الشريف:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
"مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ومَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ" (رواه البخاري).
أولاً: ما معنى "إيمانًا واحتسابًا"؟
سر القبول والمغفرة في هذا الحديث يكمن في هاتين الكلمتين، اللتين أوضحهما العلماء كالتالي:
إيماناً: أي تصديقًا بوجوب الصيام وفضل ليلة القدر، وإقراراً بأنه حق من عند الله تعالى.
احتسابًا: أي طلبًا للأجر من الله وحده، لا رياءً ولا سمعة، ولا استثقالًا للأيام أو استطالة لها، بل بصدر رحب ورغبة في الثواب.
ثانياً: صيام رمضان.. مدرسة التقوى والمغفرة
يؤكد الحديث أن صيام رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو حالة إيمانية متكاملة. فالمغفرة مشروطة بإخلاص النية، وهي جائزة كبرى يمنحها الله لمن أتم الشهر صابراً محتسباً، ليخرج منه نقياً من الذنوب كيوم ولدته أمه.
ثالثاً: ليلة القدر.. كنز العبادة المكثف
انتقل الحديث من صيام الشهر كله إلى قيام ليلة واحدة، وهي ليلة القدر. ومن عجائب رحمة الله أن قيام هذه الليلة (إيمانًا واحتسابًا) يعادل في ثوابه ومغفرته صيام الشهر كاملًا، فهي ليلة تُغير فيها الأقدار وتُمحى فيها الأوزار.
رابعاً: نصائح عملية لنيل المغفرة الموعودة
لكي يتحقق لك موعد النبي ﷺ بالمغفرة، اتبع الآتي:
تجديد النية: قبل بدء رمضان، استقبل الشهر بنية "الاحتساب" الخالص لله.
تجنب محبطات الأعمال: احرص على صون لسانك وجوارحك عن اللغو والرفث ليكون صيامك "إيمانًا" حقيقيًا.
الاجتهاد في العشر الأواخر: بما أن ليلة القدر غير محددة بيوم بعينه، فإن قيام العشر الأواخر يضمن لك إدراكها يقيناً.
الدعاء المأثور: أكثر من قول "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".
خاتمة:
إن هذا الحديث النبوي الشريف هو "بشارة نبوية" لكل مقصر أو صاحب ذنب، فهو يفتح باب الأمل على مصراعيه. رمضان وليلة القدر ليسا مجرد أيام عابرة، بل هما محطتان للتزود بالتقوى ومحو الخطايا. فلا تدع هذه الفرصة تفوتك في عامنا هذا.



