مقدمة: أول منازل الآخرة
مهما طال العمر، فإن الرحلة ستنتهي يوماً عند تلك الحفرة الصغيرة. القبر ليس مجرد نهاية للجسد، بل هو أول محطة في عالم الآخرة؛ إما أن يكون روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. لقد كشف لنا النبي ﷺ بدقة مذهلة ما يحدث في تلك اللحظات المهيبة التي تلي انصراف المشيعين. فما هو الاختبار الذي ينتظرنا جميعاً؟
أولاً: الحقيقة المذهلة.. سماع قَرْع النعال
يخبرنا النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري، أن العبد بمجرد وضعه في قبره وانصراف الناس عنه، يسمع صوت أقدامهم (قَرْع نعالهم) وهم مغادرون. في تلك اللحظة الفاصلة، تنقطع صلته بالدنيا تماماً، ويأتيه ملكان لتبدأ مرحلة "الامتحان الحقيقي".
ثانياً: سؤال الملكين (الاختبار المصيري)
يُقعد الملكان الميت ويوجهان له السؤال الذي يحدد مصيره: "ما كنتَ تقول في هذا الرجل محمد ﷺ؟" وهنا ينقسم الناس إلى فريقين:
المؤمن الثابت: بفضل إيمانه وعمله الصالح، يلهمه الله الإجابة الصحيحة فيقول بيقين: "أشهد أنه عبد الله ورسوله".
الجائزة: يرى مقعده الذي كان معداً له في النار لو كفر، ثم يرى مقعده الذي أبدله الله به في الجنة، ويُفسح له في قبره مد بصره.
المنافق والكافر: رغم أنه قد يكون قد سمع الإجابة في الدنيا، إلا أن قلبه لم يكن مؤمناً، فيقول بتخبط: "لا أدري! كنت أقول ما يقول الناس".
العاقبة: يُقال له "لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ" (وهو دعاء بالخيبة)، ثم يُضرب بمطرقة من حديد صيحةً ترتج لها الأرض، يسمعها كل الخلائق إلا الإنس والجن.
ثالثاً: لماذا لا نسمع صياح المعذبين؟
من رحمة الله بالبشر (الثقلين) أنه حجب عنهم أصوات عذاب القبر؛ لأن القلوب لو سمعت تلك الصيحات لصُعقت وتوقفت الحياة من شدة الرعب. هذا الحجب هو فرصة لنا لنعمل ونحن في أمان، ونستعد لتلك اللحظة قبل فوات الأوان.
رابعاً: كيف تنجو من فتنة القبر؟
النجاة في القبر لا تعتمد على "الحفظ"، بل على "التحقيق":
الإخلاص لمحمد ﷺ: أن يكون متبعاً لسنته حقاً، لا مجرد "يقول ما يقوله الناس".
الاستعاذة الدائمة: كما كان يفعل النبي ﷺ في كل صلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر".
سورة الملك: التي ورد أنها "المنجية" من عذاب القبر.
إصلاح السرائر: لأن القبر يكشف الحقائق التي كانت مخبأة عن أعين البشر.
خاتمة:
إن حديث القبر ليس للتخويف فحسب، بل هو "نداء استيقاظ" لكل غافل. هي لحظة ستمر بنا جميعاً، والذكي هو من يعد للسؤال جواباً، وللظلمة نوراً، وللضيق سعة. نسأل الله العظيم أن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق