الخميس، 21 أغسطس 2025

دستور الرحمة: كيف جعل الله دينه يُسراً لا مشقة فيه؟

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾


مقدمة: الملاذ الآمن للقلوب المتعبة

في لحظات الشعور بالتقصير أو ثقل المسؤوليات، تأتي خاتمة سورة البقرة كبلسم يداوي الروح. هي الآية التي رسمت حدود التكليف الإلهي وفتحت أبواب الرجاء والمغفرة. إنها رسالة الله لكل إنسان: "لستَ وحيداً، ورحمتي تسبق عدلي". فما هي الكنوز المودعة في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}؟


أولاً: قاعدة "الوسع" واليسر الإلهي

يبدأ النص القرآني بإرساء قاعدة ذهبية: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

  • المعنى: دين الله يسر لا مشقة فيه؛ فالله سبحانه لا يطلب من عباده ما يفوق قدرتهم أو يرهق طاقتهم.

  • العدل الإلهي: كل إنسان مسؤول عن عمله؛ فمن فعل خيراً نال ثوابه، ومن سلك طريق الشر نال جزاءه، وهذا تمام العدل والمساواة.

ثانياً: أدعية التيسير الخمسة (مفاتيح النجاة)

اشتملت الآية على تضرعات عظيمة، علمنا الله إياها لنواجه بها ضعفنا البشري:

  1. طلب العفو عند الخطأ والنسيان: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. نحن بشر ننسى ونخطئ، والله برحمته تجاوز لنا عن ذلك.

  2. الأمان من التكاليف الشاقة: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}. سؤال الله ألا يكلفنا ما كلف به الأمم السابقة من عقوبات وتكاليف شاقة بسبب عصيانهم.

  3. الحماية من المصائب فوق الطاقة: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. دعاء بأن يجنبنا الله المصائب والابتلاءات التي تنوء بها الجبال ولا تحتملها النفوس.

  4. المثلث الذهبي (العفو، المغفرة، الرحمة): {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا}. محو الذنوب، ستر العيوب، والإحسان الشامل لنا في الدنيا والآخرة.

  5. الولاية والنصر: {أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا}. اعتراف بأن الله هو مالك أمرنا ومدبر شأننا، وطلب النصر على كل من جحد وأنكر.


ثالثاً: لماذا يجب أن تحفظ وتتدبر هذه الآية؟

أخبرنا النبي ﷺ أن من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة "كفتاه"؛ أي كفتاه من كل سوء، ومن شرور الشياطين، ومن هموم الدنيا.

  • إنها آية تبني في داخلك "توازناً نفسياً"؛ فهي تعلمك المسؤولية (بأن تعمل) وتعلمك الطمأنينة (بأن الله رحيم بضعفك).

رابعاً: كيف تطبق معاني هذه الآية في حياتك؟

  • لا تحمّل نفسك ما لا تطيق: إذا كان الله لا يكلفك فوق طاقتك، فلا ترهق أنت نفسك بالهموم والمثالية الزائدة.

  • استبشر بالتوبة: الخطأ والنسيان وارد، وباب التجاوز مفتوح دائماً.

  • ثق بولاية الله: عندما تقول "أنت مولانا"، فأنت تضع كل مخاوفك في حماية الملك الجبار.


خاتمة:

إن آية سورة البقرة الأخيرة هي "خارطة طريق" لكل مسلم يبحث عن السكينة. فاجعلها وردك في كل ليلة، وتدبر معاني اليسر والرحمة فيها، لتعيش آمناً بفضل الله، متوكلاً على تدبيره، واثقاً في نصره.




السبت، 9 أغسطس 2025

الشباب المسلم بين العلم والعمل: طريق النهضة والتمكين

مقدمة

في زمن تتسارع فيه التحديات وتتغير فيه ملامح الحياة بسرعة، يظل الشباب المسلم حجر الأساس في نهضة الأمة وعماد مستقبلها. ولا يمكن أن تتحقق النهضة إلا إذا اجتمع في الشباب العلم النافع والعمل الجاد، إذ لا قيمة للعلم بلا عمل، ولا للعمل بلا علم يرشد خطاه.



أولاً: مكانة العلم في الإسلام

العلم هو النور الذي يهدي العقول، وقد رفع الله مكانة العلماء وفضّلهم على الجاهلين، فقال سبحانه:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]


كما كانت أول آية نزلت على قلب النبي ﷺ تحث على القراءة والتعلم:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]


وقال رسول الله ﷺ:

"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة" (رواه مسلم)


ثانيًا: قيمة العمل في حياة المسلم

العمل في الإسلام عبادة إذا صلحت النية، وهو دليل على قوة الإيمان وعمارة الأرض. قال الله تعالى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]


وقال النبي ﷺ:

"ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" (رواه البخاري)


ثالثًا: الدمج بين العلم والعمل

الشباب المسلم اليوم مدعو إلى الجمع بين التعلم المستمر واكتساب المهارات، وبين تطبيق ما تعلمه في ميادين العمل والإبداع. فالعلم بلا تطبيق يظل حبرًا على ورق، والعمل بلا علم قد يفتقر إلى الإتقان والتوجيه.


رابعًا: نماذج مضيئة

الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه، تعلم العبرية في وقت قصير لخدمة الإسلام.


عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، جمع بين العلم الغزير والنصيحة والعمل الدعوي.


خاتمة

أيها الشباب، أنتم أمل الأمة ومستقبلها، فاجعلوا حياتكم رحلة متواصلة من التعلم والعمل، وكونوا قدوة في الجد والإبداع، ولا تنسوا أن كل خطوة في طريق العلم والعمل هي عبادة تقربكم إلى الله وتبني مجد أمتكم.