﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾[ سورة البقرة: 286]
مقدمة: الملاذ الآمن للقلوب المتعبة
في لحظات الشعور بالتقصير أو ثقل المسؤوليات، تأتي خاتمة سورة البقرة كبلسم يداوي الروح. هي الآية التي رسمت حدود التكليف الإلهي وفتحت أبواب الرجاء والمغفرة. إنها رسالة الله لكل إنسان: "لستَ وحيداً، ورحمتي تسبق عدلي". فما هي الكنوز المودعة في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}؟
أولاً: قاعدة "الوسع" واليسر الإلهي
يبدأ النص القرآني بإرساء قاعدة ذهبية: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
المعنى: دين الله يسر لا مشقة فيه؛ فالله سبحانه لا يطلب من عباده ما يفوق قدرتهم أو يرهق طاقتهم.
العدل الإلهي: كل إنسان مسؤول عن عمله؛ فمن فعل خيراً نال ثوابه، ومن سلك طريق الشر نال جزاءه، وهذا تمام العدل والمساواة.
ثانياً: أدعية التيسير الخمسة (مفاتيح النجاة)
اشتملت الآية على تضرعات عظيمة، علمنا الله إياها لنواجه بها ضعفنا البشري:
طلب العفو عند الخطأ والنسيان: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. نحن بشر ننسى ونخطئ، والله برحمته تجاوز لنا عن ذلك.
الأمان من التكاليف الشاقة: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}. سؤال الله ألا يكلفنا ما كلف به الأمم السابقة من عقوبات وتكاليف شاقة بسبب عصيانهم.
الحماية من المصائب فوق الطاقة: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. دعاء بأن يجنبنا الله المصائب والابتلاءات التي تنوء بها الجبال ولا تحتملها النفوس.
المثلث الذهبي (العفو، المغفرة، الرحمة): {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا}. محو الذنوب، ستر العيوب، والإحسان الشامل لنا في الدنيا والآخرة.
الولاية والنصر: {أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا}. اعتراف بأن الله هو مالك أمرنا ومدبر شأننا، وطلب النصر على كل من جحد وأنكر.
ثالثاً: لماذا يجب أن تحفظ وتتدبر هذه الآية؟
أخبرنا النبي ﷺ أن من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة "كفتاه"؛ أي كفتاه من كل سوء، ومن شرور الشياطين، ومن هموم الدنيا.
إنها آية تبني في داخلك "توازناً نفسياً"؛ فهي تعلمك المسؤولية (بأن تعمل) وتعلمك الطمأنينة (بأن الله رحيم بضعفك).
رابعاً: كيف تطبق معاني هذه الآية في حياتك؟
لا تحمّل نفسك ما لا تطيق: إذا كان الله لا يكلفك فوق طاقتك، فلا ترهق أنت نفسك بالهموم والمثالية الزائدة.
استبشر بالتوبة: الخطأ والنسيان وارد، وباب التجاوز مفتوح دائماً.
ثق بولاية الله: عندما تقول "أنت مولانا"، فأنت تضع كل مخاوفك في حماية الملك الجبار.
لا تحمّل نفسك ما لا تطيق: إذا كان الله لا يكلفك فوق طاقتك، فلا ترهق أنت نفسك بالهموم والمثالية الزائدة.
استبشر بالتوبة: الخطأ والنسيان وارد، وباب التجاوز مفتوح دائماً.
ثق بولاية الله: عندما تقول "أنت مولانا"، فأنت تضع كل مخاوفك في حماية الملك الجبار.
خاتمة:
إن آية سورة البقرة الأخيرة هي "خارطة طريق" لكل مسلم يبحث عن السكينة. فاجعلها وردك في كل ليلة، وتدبر معاني اليسر والرحمة فيها، لتعيش آمناً بفضل الله، متوكلاً على تدبيره، واثقاً في نصره.

