الاثنين، 29 سبتمبر 2025

"وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا": تأملات في بحر النعم الإلهية

مقدمة

يذكّرنا القرآن الكريم دائمًا بفضل الله تعالى وواسع عطائه، ومن أبرز الآيات التي تجسد هذا المعنى قوله تعالى:
{وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
آية قصيرة في ألفاظها، لكنها عظيمة في معانيها؛ فهي تفتح أمام الإنسان أبواب التأمل في عظمة المنعم سبحانه، وتدعوه إلى شكر النعمة، والتواضع أمام خالقه.


معنى الآية الكريمة

المقصود بـ"نعمة الله": كل ما أنعم الله به على عباده من نعم الدين والدنيا.

"لا تحصوها": أي مهما حاولتم إحصاءها وحصرها فلن تقدروا؛ لأنها لا تُعد ولا تُحد.

ختم الآية بـ"إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ": تذكير أن الله يغفر تقصيرنا في شكر نعمه، ويرحم ضعفنا.

 أنواع نعم الله على الإنسان

نِعَم ظاهرة

مثل: الصحة، الرزق، الأولاد، المأكل والمشرب، الأمن، العلم، السكن.

نِعَم باطنة

مثل: نعمة الإيمان، الطمأنينة، السكينة، التوفيق لفعل الخير، ستر الذنوب، الهداية.

نِعَم متجددة

مثل: تنفسك كل يوم، نبض قلبك، تجدد خلايا جسدك، شروق الشمس، نزول المطر.

دروس مستفادة من الآية

الاعتراف بالعجز البشري: الإنسان مهما بلغ من العلم والحساب لا يستطيع إحصاء نعم الله.
ضرورة شكر النعمة: الشكر يزيد النعم، كما قال تعالى: "لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ".
التواضع أمام الخالق: هذه النعم ليست بقدرتنا، بل محض فضل من الله.
التفاؤل والرضا: إدراك كثرة النعم يعين المسلم على الصبر في المصائب، إذ يرى أن ما لديه أعظم بكثير مما فقده.

كيف نشكر نعم الله عمليًا؟

بالقلب: أن يستحضر العبد فضل الله ويعترف به.
باللسان: كثرة الحمد والثناء، والدعاء مثل "الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة".
بالعمل: استعمال النعمة فيما يرضي الله، كاستخدام المال في الصدقة، والصحة في الطاعة، والعلم في النفع.

أمثلة من حياة النبي ﷺ في شكر النعمة

  • كان ﷺ يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فلما سُئل: "لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟" قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟".
  • كان يحمد الله في كل حال، حتى عند تناول الطعام أو شرب الماء أو لبس الثوب.

خاتمة

آية "وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا" تضعنا أمام حقيقة ثابتة: أننا غارقون في بحر من نعم الله التي لا تنتهي. فليكن لساننا رطبًا بالشكر، وقلوبنا عامرة بالاعتراف بفضل الله، وأعمالنا شاهدة على استعمال النعم في طاعته.


الجمعة، 26 سبتمبر 2025

فلما استحكمت حلقاتها فرجت

مقدمة

تمر بالإنسان في حياته لحظات ضيق وشدة، يظن معها أن أبواب الفرج قد أُغلقت، وأن لا مخرج من البلاء. لكن المؤمن يتذكر دائمًا أن الشدة لا تدوم، وأن مع العسر يسرا، كما وعد الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا • إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5-6). وقد عبّر العرب عن هذه الحقيقة بقولهم: «فلما استحكمت حلقاتها فرجت»، أي إذا اشتد الكرب وبلغ غايته، جاء الفرج من عند الله.


المعنى العام للعبارة

تصوّر العبارة الشدة كأنها سلسلة حلقات متشابكة، تزداد إحكامًا وتعقيدًا حتى يُخيَّل للمرء أنه لا فكاك منها. لكن ما إن يبلغ الضيق غايته، إلا ويفك الله عقدتها ويفتح بابًا للنجاة. فهي دعوة للتفاؤل وعدم اليأس مهما تعقدت الأمور.

شواهد من القرآن والسنة

في القرآن: قصة يوسف عليه السلام، إذ اشتد به البلاء حتى بيع عبدًا وسُجن ظلمًا، ثم جاء الفرج وأصبح عزيز مصر.

في السنة: قال النبي ﷺ: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» (رواه أحمد).


دروس مستفادة

الثقة بالله: مهما ضاقت الحال، فباب السماء مفتوح لمن لجأ إلى الله.

الصبر مفتاح الفرج: الصبر على البلاء يقود إلى مخرج كريم.

اليأس ممنوع: فاليأس ينافي التوكل على الله، والمؤمن لا يقنط من رحمة ربه.

الفرج قد يكون قريبًا: أحيانًا يأتي الحل فجأة من حيث لا يحتسب المرء.


أمثلة واقعية

كم من مريض ظن أنه لا شفاء له، فإذا بالدواء يُكتشف ويعود صحيحًا.

وكم من إنسان ضاقت به المعيشة، فإذا برزق الله يأتيه من طريق لم يتوقعه.

وكم من أمة مرت بظروف عصيبة، ثم تبدلت الحال إلى عز ونصر.


خاتمة

إن قولهم: «فلما استحكمت حلقاتها فرجت» يذكّرنا بأن الضيق مهما اشتد فهو إلى زوال، وأن فرج الله أقرب مما نتخيل. فلنثبت على الصبر والدعاء، ولنتفاءل بوعد الله، فما بعد الشدة إلا الفرج، وما بعد العسر إلا اليسر.