الخميس، 30 أكتوبر 2025

لا تنسَ أن الله يراك

مقدمة

في زحام الحياة وضجيجها، كثيرًا ما يغفل الإنسان عن حقيقة عظيمة: أن هناك من يراه ويسمعه في كل حين، في خلْوته وجلْوته.

إنه الله سبحانه وتعالى… القريب الذي لا يغيب، واللطيف الذي يعلم خفايا القلوب.

يراك حين تنطفئ الأنوار وتغفو العيون، ويسمع نبضك حين يثقل صدرك بالهموم، ويعلم ما تُخفيه نفسك قبل أن تنطق به شفتاك.

فطوبى لمن عاش وهو يستشعر نظر الله إليه، فلا ينجرف إلى المعاصي والشهوات بل يمنع نفسه خوفا من الله وحبا فيه.



حين تخلو بنفسك

قد تظن أن لا أحد يراك حين تغلق باب غرفتك، أو حين تمسك هاتفك، أو حين تمر بلحظة ضعفٍ خفيّة…

لكن الله تعالى يقول:

"يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ"

(سورة غافر: 19)

تأمل هذه الآية… الله يعلم حتى نظرة العين الخائنة التي لا يراها أحد، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟

المراقبة طريق الطمأنينة

حين يستشعر القلب مراقبة الله له، لا يعيش في خوف، بل في طمأنينة.

فهو لا يخاف من الناس، بل يرجو رضا ربه.

قال رسول الله ﷺ:

"اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن."

(رواه الترمذي)

إنها وصية تجمع الدين كله: مراقبة الله، وإصلاح النفس، وحسن الخلق.

المؤمن الحقيقي

المؤمن ليس ذاك الذي يُحسن فقط أمام الناس، بل هو من يحسن في الخفاء كما يُحسن في العلن.

هو من يترك الذنب لا خوفًا من نظرات البشر، بل حياءً من الله الذي يراه.

ولهذا قال أحد الصالحين:

"اجعل الله أحبَّ من تراه في خلواتك، وأعظم من تخشاه في سرّك."

وقفة صادقة مع النفس

في كل يوم، خذ لحظة وقل لنفسك:

هل لو نظر الله إليّ الآن، يرضى عني؟

هذه اللحظة الصغيرة من الصدق قد تغيّر حياتك كلها.

فما أروع أن يعيش الإنسان بقلبٍ يهمس لنفسه دائمًا:

"اللهم اجعلني حيث تحب أن تراني."

الخلاصة

الموعظة ليست كلمات تُقال، بل شعور يُزرع في القلب:

أن الله معك، يراك، يسمعك، ويريد لك الخير.

فاحفظه في قلبك، يحفظك في دنياك وآخرتك.


الخميس، 16 أكتوبر 2025

نعمة الصحة والعافية في ضوء القرآن والسنة

مقدمة

من أعظم النِّعَم التي يغفل عنها كثير من الناس نعمة الصحة والعافية.

فهي تاجٌ على رؤوس الأصحّاء لا يراه إلا المرضى، ومن فقدها أدرك حينها كم كان في عافية وهو لا يشعر.

إنها النعمة التي لا تُشترى بمال، ولا يُعوَّض فقدها بكنوز الأرض، وقد أولى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هذه النعمة منزلة عظيمة ودعوة دائمة إلى شكرها وحفظها.



 أولاً: الصحة في ضوء القرآن الكريم

جاء في كتاب الله آياتٌ كثيرة تُذكّر الإنسان بفضل العافية وضرورة شكر الله عليها، ومن ذلك قوله تعالى:

"وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" (الشعراء: 80)

هذه الآية تُظهر أن الشفاء بيد الله وحده، وأن الصحة هبة ربانية لا يملكها سواه.

ويقول سبحانه أيضًا:

"وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (النحل: 78)

فالآية تذكّرنا أن ما نملكه من حواس وعافية إنما هو فضل من الله يستوجب الحمد والشكر.

ومن مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ النفس، وهو أحد الضروريات الخمس التي جاءت بها الشريعة، تأكيدًا على قيمة الإنسان وصحته الجسدية والنفسية.


ثانيًا: الصحة في ضوء السنة النبوية

قال النبي ﷺ:

"نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ"

(رواه البخاري)

أي أن كثيرًا من الناس لا يقدّرون هاتين النعمتين إلا بعد فوات الأوان.

وفي حديث آخر قال ﷺ:

"من أصبح منكم آمناً في سِرْبِه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا"

(رواه الترمذي)

فالعافية من أعظم ما يُنعم الله به على عبده، ومن اجتمعت له العافية والأمن والرزق فقد نال سعادة الدنيا.


ثالثًا: الإسلام يحث على الوقاية قبل العلاج

ديننا الحنيف ليس دين دعاء فقط، بل دعاء وعمل.

قال ﷺ:

"تَدَاوَوْا عبادَ اللهِ، فإنَّ اللهَ لم يضعْ داءً إلا وضع له دواء"

(رواه الترمذي)

وهذا الحديث يؤكد أن الإسلام يدعو إلى التداوي، والبحث عن العلاج، والحفاظ على الجسد من أسباب الهلاك.

بل إن الوضوء، والنظافة، والاعتدال في الطعام، والرياضة، كلها مظاهر وقائية دعا إليها الإسلام للحفاظ على الجسد والعقل.

 رابعًا: شكر نعمة الصحة والعافية

شكر العافية لا يكون بالكلام فقط، بل بالعمل والطاعة، قال تعالى:

"اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا" (سبأ: 13)

وشكر الصحة يكون:

  • باستخدامها في طاعة الله.
  • والبعد عن المعاصي التي تفسد القلب والجسد.
  • ومساعدة المرضى ورعايتهم.
  • والدعاء بالعافية للنفس وللناس.

خامسًا: من روائع الدعاء في طلب العافية

كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء بالعافية، ومن ذلك قوله:

"اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة"

(رواه الترمذي)

وكان ﷺ يقول في دعائه اليومي:

"اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت."

وهذا يبين أن العافية ليست فقط في الجسد، بل في السمع والبصر والقلب والدين.

 سادسًا: كيف نحافظ على نعمة العافية؟

  • الاعتدال في الطعام والشراب قال تعالى:"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا" (الأعراف: 31).
  • الرياضة والحركة المنتظمة.
  • النوم الكافي والراحة النفسية.
  • البعد عن التدخين والمخدرات وكل ما يضر الجسد.
  • الصبر عند المرض والرضا بالقضاء، فهو من أعظم أسباب الشفاء الروحي.

خاتمة

الصحة والعافية نعمة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس حتى تُسلب منهم.

فحافظ عليها بشكر الله وطاعته، وكن عبدًا شاكرًا لا كافرًا بالنعمة.

وإذا ابتُليت بمرض، فاعلم أن الله أراد بك خيرًا، وأن في الصبر على البلاء رفعة للدرجات وتكفيرًا للسيئات.

"وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" — آية تختصر كل الأمل والإيمان بأن الشفاء والعافية بيد الله وحده.


الاثنين، 6 أكتوبر 2025

تأملات في الآية: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ"

 في زحمة الحياة وضغوطها، قد يغفل الإنسان عن تأمل بسيط لكنه عميق:

ما سر دوام النعم؟ ولماذا تختفي أحيانًا فجأة؟

يأتي الجواب الرباني واضحًا وجازمًا في آية من أعظم آيات القرآن:

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾

(سورة إبراهيم: 7)

📖 تفسير مختصر للآية:

﴿تَأَذَّنَ﴾: أي أعلن وأقسم ربكم.

﴿شَكَرْتُمْ﴾: اعترفتم بالنعم، وأثنيتم على الله بها، واستخدمتموها في طاعته.

﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾: وعد رباني بالزيادة، سواء في المال، الصحة، الراحة، التوفيق، أو البركة.


🌿 التأمل الأول: الشكر عبادة قلب ولسان وجوارح

الشكر ليس فقط قول "الحمد لله"، بل هو موقف كامل:

  • بالقلب: الاعتراف بأن النعمة من الله وحده.
  • باللسان: الثناء والحمد.
  • بالعمل: استخدام النعمة في الطاعة، لا في المعصية.

قال الله تعالى:

﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (سبأ: 13)

فربط الشكر بالعمل، لا بالكلام فقط.

🌟 التأمل الثاني: الشكر سبب مباشر لزيادة النعمة

كثيرًا ما نبحث عن أسباب زيادة الرزق أو بركة الوقت،

والآية تخبرنا بأوضح صورة: الشكر = زيادة.

سواء:

مالك قليل؟ احمد الله.

صحتك تتحسن؟ اشكر الله.

وقتك مبارك رغم انشغالك؟ هذا من الشكر.

🕯 التأمل الثالث: الشكر يرفع البلاء ويجلب الرضا

النبي ﷺ كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه،

فلما سُئل عن ذلك، قال:

"أفلا أكون عبدًا شكورًا؟" (رواه البخاري ومسلم)

فالعبودية الكاملة تبدأ بالشكر، لا بالاستهلاك المستمر للنعم دون تفكر.

📜 من أقوال السلف عن الشكر:

الحسن البصري: "إن الله ينعِم على الناس، فإذا لم يشكروه، قلبها عذابًا".

عمر بن عبد العزيز: "قيّدوا النعم بالشكر".

💡 كيف أكون من الشاكرين؟ (خطوات عملية)

  • توقف كل يوم لحظة وتأمل في نعمة واحدة لديك.
  • قل "الحمد لله" بيقين… لا عادة.
  • استخدم نعمك في نفع الناس وطاعة الله.
  • لا تقارن ما عندك بما عند غيرك، بل انظر لمن هو أقل.

 خاتمة:

الشكر مفتاحٌ ذهبي لكل أبواب الخير.

من أراد بركةً دائمة، وسعادة مستمرة، فلْيبدأ بالشكر.

فالله وعد، والله لا يُخلف وعده:

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

فهل نكون من الشاكرين حقًا؟ 💛