مقدمة:
في لحظات الشدة، حين تضيق السبل وتغلق الأبواب، تأتي آيات القرآن الكريم لتبث السكينة في الأرواح. ومن أعظم هذه الآيات قوله تعالى في سورة الشورى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}. كلمات قليلة تحمل في طياتها معاني الرحمة، والضمان، والقوة. فماذا يعني أن الله "لطيف"؟ وكيف نستشعر هذا اللطف في رزقنا وحياتنا؟
أولاً: معنى اسم الله "اللطيف"
اللطف في اللغة والشرع يحمل معنيين دقيقين:
العلم بدقائق الأمور: فالله سبحانه يعلم خفايا حاجتك، وما يختلج في صدرك من هموم لا يعلمها أحد غيره.
الرفق في التدبير: أن يسوق الله إليك الخير من حيث لا تحتسب، وبطرق خفية لا تدركها عقولنا، حتى يأتيك الفرج وأنت في قمة دهشتك.
ثانياً: الربط بين اللطف والرزق
تقول الآية: "لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ". لقد ربط الله بين صفة اللطف وفعل الرزق؛ ليعلمنا أن رزق الله ليس مادياً فقط، بل هو رزق "مُغلّف باللطف".
قد يمنع عنك رزقاً كنت تتمناه، وهذا هو عين اللطف لأنه صرف عنك شراً لا تراه.
قد يسوق إليك رزقاً يسيراً يبارك فيه، وهذا هو اللطف الذي يجعل القليل كافياً ومباركاً.
ثالثاً: القوي العزيز.. ضمان لا ينكسر
ختمت الآية بصفتي {الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}، وهذا لرفع سقف الطمأنينة عند العبد:
القوي: الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فإذا أراد رزقك فليس هناك قوة تمنعه.
العزيز: الذي لا يُغلب، والمنيع الجناب الذي يعزّ من لجأ إليه. الجمع بين اللطف والقوة يعني أن ربك الرحيم بك هو نفسه الرب القادر القوي، فلا تخشَ ضياعاً ولا فقراً.
رابعاً: كيف نستجلب لطف الله ورزقه؟
حسن الظن بالله: استشعر دائماً أن ما يمر بك من أقدار هو "لطف خفي" سيتضح جماله مع الوقت.
الاستسلام لتدبيره: قل دائماً "اللهم ألطف بي في تيسير كل عسير"، وفوض أمرك للقوي العزيز.
شكر النعم الخفية: اللطف يسكن في التفاصيل الصغيرة (نفس هادئ، نوم مريح، ستر جميل)، فاشكر الله عليها ليزيدك.
خاتمة:
إن آية "اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ" هي الملاذ لكل مهموم ومحروم. إنها تذكرة بأنك لست وحدك، وأن تدبير الله لك أفضل من تدبيرك لنفسك. فكن مطمئناً، فإن الذي يرزق الطير في السماء والحوت في الماء بلطفه، لن ينسى عبداً يرفع يديه للسماء منادياً: "يا لطيف".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق